صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

38

الإلهيات من الشفاء ( حواشي صدر المتألهين )

كما بيناه في الأسفار وأيضا كل من الذوات الإمكانية هي في نفسها ومن حيث طبيعتها بالقوة وهي من تلقاء فاعلها بالفعل فإن بحكم المهية الليسية المحضة وبحكم سببها التام الأيسية الفائضة عنه فهي مصداق معنى ما بالقوة ومعنى ما بالفعل من الحيثيتين والفرق بين العدم والقوة أن القوة ضرب من العدم لأمر يترقب وجوده ولهذا قيل الإمكان بالقوة أشبه منه بالعدم فكل ممكن هو حاصل الهوية من القوة والفعلية جميعا فلا شيء غير واجب الوجود متبرىء الذات عن شوب القوة فكل ما سواه مزدوج الحقيقة من هذين المعنيين والقوة والإمكان يشبهان المادة والفعلية والوجوب يشبهان الصورة ففي كل ممكن كثرة تركيبية من أمر يشبه المادة وآخر يشبه الصورة فإذن البساطة الحقة مختصة بعالم الوجوب الذاتي ممتنعة التحقق في عالم الإمكان وأما الوترية فهو أيضا مما يستأثره الحقيقة الواجبية لأن كل ممكن بحسب مهيته مفهوم كلي لا يأبى معناه أن يكون له تحصلات متكثرة ووجوبات متعددة فإذن لا وحدة ولا فردانية لممكن ما بالحقيقة بل إنما بالإضافة إلى ما هو أشد كثرة وأكثر شركاء فوحدات الممكنات وحدات ضعيفة وهي ظلال للوحدة الحقة الإلهية فكلما كان الممكن أشد وحدة كان أقرب إلى الوحدة الحقة وبالعكس ثم اعلم أن الشيء كلما كان أشد وحدة فهو أتم كمالا وأكثر إحاطة بالأشياء حتى إن البسيط الحقيقي يجب أن يكون كل الموجودات لا يخرج عنه شيء من الحقائق والذوات وتحقيق هذا المقام يطلب من كتابنا الكبير [ الفصل الثامن : بيان الحق والصدق ] قوله في معنى الحق والصدق والذب عن أول الأوائل في المقدمات الحقة قال أما الحق فيفهم منه الوجود الدائم يريد تفسير الحق والباطل فالحق يطلق بالاشتراك أو الحقيقة والمجاز على معان فتارة يطلق ويفهم منه الوجود العيني مطلقا أي سواء كان دائما أو غير دائم فيقال زيد موجود حقا وتارة يطلق ويفهم منه الوجود الدائم فكان ما لا يدوم وجوده ليس موجودا بالحقيقة وتارة يطلق ويراد به حال القول أو العقد أي القضية الملفوظة أو المعقولة إذا كان دالا على حال الشيء الخارجي مطابقا له فيقال هذا قول حق وهذا اعتقاد حق والحق بهذا المعنى يلازم الصادق في المدلول لكن يقال صادق باعتبار نسبته إلى الأمر الواقع ويقال حق باعتبار نسبة الأمر إليه والباطل يقابل الحق في جميع هذه المعاني فإذا تقرر هذا فأحق الأشياء في أن يكون حقا هو الذي يدوم وجوده وأحق الأشياء الدائمة الوجود هو الذي يجب دوامه لذاته وهو الواجب بذاته والممكن الوجود سواء كان دائما أو غير دائم حق بغيره لكونه موجودا بغيره فكل ما سوى الواجب بذاته باطل في نفسه حق بالواجب كما في قول لبيد ألا كل شيء ما خلا الله باطل وأما الحق من جهة الأقاويل فأحق الأقاويل الحقة الصادقة ما كان صدقه ضروريا أوليا وأحق ذلك ما ينتهي إليه كل عقد وتصديق عند التحليل حتى إنه يكون مقولا في كل عقد إما بالقوة أو بالفعل وهو قولنا الشيء لا يخلو عن النفي والإثبات ولا يتصف بهما جميعا فهاهنا مقامان أحدهما أنه لا يمكن إقامة البرهان عليه والآخر أنه أول الأوائل وهو في كل برهان أما بالفعل أو بالقوة عند التحليل أما الأول فنقول إن الذي يستدل به على شيء فهو الذي يستدل بثبوته على ثبوت شيء وبانتفائه على انتفاء شيء فلو جوزنا الخلو عن الثبوت والانتفاء لم نأمن في ذلك الدليل أن يخلو عن الثبوت والانتفاء وبتقدير خلوه عنهما لا يبقى له دلالة على ذلك المدلول فإذن كل ما دل على ثبوت هذه القضية لا يدل عليها إلا بعد ثبوت هذه القضية وما كان كذلك لا يمكن إثباته إلا بالبيان الدوري وهو باطل وأيضا فالدليل الدال على أنهما لا يجتمعان فيه لا بد وأن تعرف منه أولا أن كونه دليلا على ذلك المطلوب لا يجتمع مع لا كونه دليلا عليه إذ لو جاز ذلك لم يكن إقامة الدليل على استحالة هذا الاجتماع مانعا من لا استحالته ومع هذا الاحتمال لا يدل على المقصود وإذا كانت آلة الدليل على إثبات هذه القضية موقوفة على ثبوتها فلو بينا ثبوتها بقضية أخرى لزم الدور وهو محال فثبت أن هذه القضية لا يمكن إقامة البرهان عليها وأما المقام الثاني وهو كون سائر القضايا حتى البديهيات فرعا عليها فلأن العلم بأن الموجود لا يخلو عن الوجوب والإمكان علم بأن الموجود لا يخلو عن ثبوت الوجود ونفيه الذي هو الإمكان لأن معناه سلب الضرورة أو عن ثبوت الإمكان ولا ثبوته الذي هو الوجوب وهذا هو العلم الأول مقيدا بقيد خاص وكذلك العلم بأن الكل أعظم من جزئه متفرع على أن زيادة الكل على جزئه إذا لم يكن معدومة كانت موجودة لامتناع ارتفاع الطرفين وإذ هي موجود مع المزيد عليه فمجموعهما أعظم إذ لا يفهم من الأعظم إلا ذلك وكذا قولنا الأشياء المساوية لشيء واحد متساوية مبنية على تلك القضية فإن تلك الأشياء إذا كانت طبيعتها كطبيعة هذا الواحد فاستحال أن يكون طبيعتها مختلفة لامتناع اجتماع النقيضين وكذلك قولنا الشيء الواحد لا يكون في مكانين فإن الشيء الواحد لو حصل في مكانين لما امتازت حاله عن حال الشيئين الحاصلين في مكانين وإذا لم يتميز الواحد عن الاثنين كان وجود الثاني كعدمه فيكون ذلك الثاني اجتمع فيه الوجود والعدم فثبت أن القضيتين الأوليين في قوة قولنا النفي والإثبات لا يرتفعان والقضيتان الأخريان في قوة قولنا النفي والإثبات لا يجتمعان فظهر أن هذه القضية أولى الأول في التصديقات كما أن معنى الوجود أول الأوائل في التصورات ومفادها وهو كون الثبوت والإثبات لا يجامع العدم والنفي ليس من الأعراض الذاتية بشيء إلا